أعادت أربع دول خليجية صياغة مهام صناديق الثروة السيادية الرئيسية لديها منذ يناير 2026. وقدّم المسؤولون كل تغيير باعتباره تطورًا مؤسسيًا مخططًا له منذ فترة طويلة، لكن أحمد القاروط يرى أن الضغوط المالية الناجمة عن الحرب على إيران تشير أيضًا إلى أن هذه التحولات مدفوعة بإعادة حسابات الموازنات الحكومية، رغم عدم إشارة أي من الدول الأربع إلى الحرب صراحةً.


وفي تحليل نشره موقع «ميدل إيست آي»، يوضح القاروط أن عمليات إعادة الهيكلة تسرّع اتجاهًا بدأ قبل الحرب. فمنذ أكتوبر 2023، قلّصت صناديق الخليج إنفاقها، ووجهت اهتمامها نحو أنشطة أضيق نطاقًا وأكثر قدرة على تحقيق الإيرادات، في ظل ارتفاع التكاليف نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية العالمية. ومع تزايد الضغوط على الموارد الحكومية، تتجه هذه الدول إلى الاقتراض، وإعادة تنظيم أصولها، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، في محاولة لتخفيف أعباء التمويل والحفاظ على استثماراتها الاستراتيجية.

 


الكويت والسعودية.. الاقتراض وإعادة هيكلة أصول الصناديق السيادية


في يوليو، أدخلت شركة نفط الكويت المملوكة للدولة شبكة أنابيب النفط الخام التابعة لها في مشروع مشترك مع صناديق الاستثمار الأمريكية «بلاكستون» و«كيه كيه آر»، وشركة «بروكفيلد» الكندية. وبلغت قيمة الصفقة 16 مليار دولار، احتفظ الجانب الكويتي بموجبها بحصة قدرها 51%، فيما استأجر 13 خط أنابيب مجددًا لمدة 20 عامًا ونصف العام، مقابل رسوم تُحتسب على أساس حجم النفط المنقول. وحصلت الكويت على 7.85 مليار دولار مقدمًا.


وواصلت الكويت خلال بقية العام بناء الإطار القانوني الذي يدعم صفقات من هذا النوع، عبر إنشاء محاكم اقتصادية، وتعديل قانون أسواق المال، ووضع خطة لإعادة صياغة ربع تشريعاتها بحلول ديسمبر.


وقبل أسابيع قليلة، أصدرت الكويت مرسومًا يسمح للخزانة بالاقتراض من صندوق الأجيال القادمة، الذي يخصص أمواله للأجيال التي ستأتي بعد عصر النفط. وكان القانون الصادر عام 1976 لإنشاء الصندوق يحظر السحب منه حظرًا تامًا. أما الآن، فقد حُدد الاقتراض بسقف يبلغ عُشر صافي أصول الصندوق، على أن يُسجل المبلغ دينًا مستحقًا للصندوق، وتُسدده الدولة عندما تعود الموازنة إلى تحقيق فائض.


وفي السعودية، سجلت الموازنة عجزًا قدره 160 مليار ريال، أي نحو 42.6 مليار دولار، خلال النصف الأول من العام، وهو الأكبر منذ عام 2016. وكان صندوق الاستثمارات العامة يُموَّل في السابق من إيرادات النفط التي تضخها الدولة، لكن تراجع الموارد المتاحة دفعه إلى البحث عن مصادر تمويل خاصة به.


وأصدر الصندوق صكوكًا بقيمة ملياري دولار في يناير، ثم طرح سندات بقيمة قياسية بلغت 7 مليارات دولار في مايو، وتجاوزت طلبات المستثمرين عليها 29 مليار دولار. وتذهب الأموال في نهاية المطاف إلى الشركات المملوكة للصندوق، التي تعيد جزءًا منها إلى خزينة الدولة في صورة توزيعات أرباح وضرائب.


ولا يُتوقع أن تتراجع الضغوط المالية قريبًا. إذ تتوقع إفادة وزارة المالية السعودية التمهيدية بشأن موازنة عام 2027 عجزًا يبلغ 190 مليار ريال، أي نحو 50 مليار دولار، بما يعادل قرابة 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتزم الحكومة تغطية هذا العجز بمزيد من الاقتراض، إلى جانب ما تصفه بوسائل التمويل البديلة، ومنها تمويل المشروعات والبنية التحتية وائتمانات التصدير.


وفي الفترة الأخيرة، أمر صندوق الاستثمارات العامة بخفض الإنفاق في أكثر من 100 شركة تابعة له، ما أدى إلى إبطاء مشروعات وتسريح موظفين. وجاء ذلك قبل أشهر من اعتماد مجلس إدارة الصندوق خطته للفترة 2026-2030 في أبريل الماضي، والتي أعادت تقسيمه إلى ثلاث محافظ تحمل أسماء «رؤية» و«استراتيجية» و«مالية».


وتصف الخطة تحول الصندوق من كونه المحرك الرئيسي للنمو إلى جهة تتولى الإشراف على منصات تتيح للآخرين التوسع، مع تسهيل الاقتراض وجذب الاستثمارات الأجنبية. وبحسب القاروط، تراهن الصناديق على أن الاقتراض الجديد سيؤجل الضغوط المالية مؤقتًا على الأقل، إلى حين تدفق إيرادات الاستثمارات الجديدة وقبل استحقاق الالتزامات القائمة.


وفي سبتمبر، أفادت تقارير بأن مسؤولين تنفيذيين في صندوق الاستثمارات العامة سافروا إلى نيويورك برفقة ممثلين عن شركة الذكاء الاصطناعي «هيومين»، ومركز الملك عبد الله المالي، وشركة التطوير العقاري «البحر الأحمر الدولية». وكان من المقرر أن يلتقوا مستثمرين من صناديق كبرى، بينها «أبولو» و«بلاكستون» و«بروكفيلد» و«كارلايل» و«كيه كيه آر» و«ستونبيك»، إلى جانب بنك التصدير والاستيراد الأمريكي.


وبحسب التقارير، سعى الجانب السعودي إلى الحصول على دعم أجنبي في ظل القيود النقدية داخل المملكة. وكانت ثلاث من هذه الشركات قد استحوذت على شبكة أنابيب النفط الكويتية قبل ذلك بشهرين.

 


قطر وأبوظبي.. فصل الأصول لتسهيل التمويل وجذب المستثمرين


تواجه الشركات المحلية في قطر تراجعًا في قدرتها على تحقيق الإيرادات، فيما أصبح الاقتراض بضمان صندوق الثروة السيادي الذي يمتلكها أكثر تكلفة. وفي 20 سبتمبر، فصل رئيس الوزراء نحو ثلث الصندوق السيادي القطري، الذي تبلغ قيمته 580 مليار دولار، ضمن منصة جديدة تحمل اسم «دوحة للاستثمار»، وتضم أكثر من 40 شركة، بينها الخطوط الجوية القطرية وبنك قطر الوطني.


وتتمثل مهمة المنصة في دعم الشركات الوطنية الرائدة، وتعميق أسواق رأس المال، واستقطاب الاستثمارات الدولية. وقد بدأت عملها بمحفظة فرص استثمارية تبلغ 60 مليار دولار، تشمل مشروعات للبنية التحتية بقيمة 38.5 مليار دولار، من بينها مشروعات شراكة بين القطاعين العام والخاص.


ويتيح فصل الأصول تحديد مستوى المخاطر الخاص بكل مجموعة على حدة. فبدلًا من تقييم «دوحة للاستثمار» على أساس الصندوق السيادي بأكمله، يستطيع المقرضون والمستثمرون تسعير مخاطر المنصة بصورة مستقلة. ويمنح ذلك قطر فرصة الاقتراض بضمان أصولها الأقوى بشروط أفضل، مع استقطاب شركاء للاستثمار في الأصول الأضعف.


وفي وقت سابق من عام 2026، دمجت أبوظبي صندوقها السيادي «القابضة» (ADQ)، الذي تبلغ قيمته 263 مليار دولار، في كيان جديد يحمل اسم «لِماد»، وتصل قيمته إلى 300 مليار دولار، ويضم أكثر من 250 شركة تابعة ضمن مجموعته.


وفي يوليو، استعان الكيان الجديد بشركة «بوسطن كونسلتينج جروب»، وبدأ يصف نفسه بأنه مساهم نشط في إدارة العمليات، بدلًا من الاكتفاء بدور المستثمر. وفي الأسبوع الماضي، أفادت وكالة «بلومبرج» بأن «لِماد» يستعد لجمع أموال من مستثمرين خارجيين لصالح وحدة يجري تأسيسها لدعم صناديق الأسهم الخاصة وإبرام صفقاتها الاستثمارية الخاصة.


ولم تتوقف الصناديق الخليجية عن إبرام الصفقات الخارجية، لكنها أعادت توجيه استثماراتها. ففي أوائل سبتمبر، مهدت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية الطريق أمام امتلاك مستثمرين أجانب حصة تبلغ 49.5% في صفقة استحواذ «باراماونت» على «وارنر براذرز ديسكفري». ووفقًا للترتيبات المعلنة، ستستحوذ ثلاثة صناديق خليجية على 38.5% من الأسهم التي لا تمنح حق التصويت؛ بواقع 15.1% لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، و12.8% لصندوق «لِماد»، و10.6% لجهاز قطر للاستثمار.


لكن الصفقة لم تُستكمل بعد، وقد تؤدي الدعاوى القضائية إلى تأجيل إتمامها حتى عام 2027.


وبعد أيام، وقّعت قطر مذكرة تفاهم مع شركة «جيه بي مورجان لإدارة الأصول» لإقامة شراكة بقيمة 20 مليار دولار، يخصص منها 5 مليارات دولار لتقديم قروض للشركات الأمريكية متوسطة الحجم. ثم ساعدت «جيه بي مورجان» في ترتيب إصدار سندات بقيمة 3 مليارات دولار لصالح الدولة القطرية نفسها.

 


تداخل الثروة السيادية والتمويل الحكومي ورأس المال الخاص


باتت مجموعة صغيرة من الشركات الأمريكية والكندية حاضرة في الوقت نفسه في البنية التحتية للطاقة الخليجية وفي إدارة الأموال الخليجية. فهي تقدم قروضًا بضمان أصول لن تتولى تشغيلها، بينما تدير الأموال الناتجة عن تلك الأصول. وبذلك، تتحول الصناديق التي أُنشئت لاستثمار عائدات النفط إلى أدوات تسعى إلى تحقيق إيرادات تعوض ما لم يعد النفط يوفره بالمستويات السابقة، بالتزامن مع دعم الموازنات الحكومية والشركات المملوكة للدولة.


ويرى القاروط أن الحدود بين الثروة السيادية والتمويل المالي الحكومي ورأس المال الخاص تتلاشى تدريجيًا. وتراهن الصناديق على أن الاقتراض الجديد سيؤجل الضغوط المالية مؤقتًا على الأقل، إلى حين تدفق عائدات استثمارية جديدة وقبل حلول مواعيد سداد الالتزامات القائمة.


وإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فستكون دول الخليج قد موّلت تحولها الاقتصادي باستخدام أموال الآخرين، مع الحفاظ على مدخراتها، وخرجت بأسواق رأسمال أعمق وشركات تُدار وفق معايير يرى المستثمرون الخارجيون أنها تستحق التمويل.


لكن تعثر الاقتصاد العالمي قد يحول دون تحقيق النتائج المتوقعة. فإذا لم ترتفع الإيرادات وقدرة الاقتراض بالسرعة الكافية، فستتقلص مساحة المناورة المالية أمام هذه الدول، وقد يتحمل المواطنون الخليجيون التكلفة في مستوى معيشتهم وسبل كسب أرزاقهم، ما قد يزيد الضغوط الاجتماعية.


وفي هذه الحالة، قد تلجأ الحكومات إلى خفض الإنفاق الاجتماعي وزيادة الضرائب، مع تراجع عام في جودة الحياة.

https://www.middleeasteye.net/opinion/how-gulf-states-are-rebuilding-sovereign-wealth-funds-amid-iran-war-fallout